ثقافة الدكتورة والروائية آمنة الرميلي تكتب عن جسد "الأولمبياد"
بقلم الدكتورة والروائية والأستاذة المبرزة: آمنة الرميلي
جسد "الأولمبياد": الجسد في الأولمبياد، وهو يقاوم قانون الجاذبية ليذهب أعلى وأبعد وأسرع، الجسد وهو يجاوز حدوده ويقاوم هشاشته ويخرج عن طوره بإرادة صاحبه وشغفه به وحبّه للحياة..
الجسد في الأولمبياد وهو يكشف للعالم عن قدراته المخبّأة اللّامحدودة على الطّيران والتمطّط والتكسّر والالتواء واللفّ والدّوران.. الجسد وهو يحتفي بذاته وبجماله وبروعته وبهائه وانسجامه، الجسد وهو لا يجزَّأ مواطن مواطن وقطعا قطعا، منها ما هو للبراءة ومنها ما هو للخطيئة، الجسد وهو كلّ متكامل مزفوف على كفّ الإيمان ببراءته الكلية، الجسد وهو يعامل بعشق وبإبداع حتى يصبح حزمة من التعبيرات الجمالية المبهرة، كلّ عضلة فيه تعزف في سوناتا مشتركة مع باقي عضلاته..
الجسد في "الألعاب الأولمبية وهو يحاور العالم بقيم المنافسة الخلاّقة والفوز الرّاقي الشريف، ويدافع عن راية الوطن، يذوب في راية الوطن، الجسد وهو يتفتّح كوردة في قاعات ألعاب القوى والحركات الأرضية أو إلى سمكة مدهشة في أحواض السباحة أو إلى نجمة هاربة في منافسات القفز العالي والقفز بالزّانة..
الجسد وهو يتحوّل إلى كبرياء خالصة لحظة النجاح وإلى خيبة خالصة لحظة الفشل.. الجسد وهو ينغّم الكون في تفاصيله الرائعة، في صدور اللّاعبين واللّاعبات وفي سيقانهم ورؤوسهم وأفخاذهم وأقدامهم وأصابع أيديهم ونور أعينهم ومسامّ جلودهم الناضحة بحبّ الانتصار بالجسد وللجسد..
اللّاعبون واللّاعبات وهم يفنون في عشق أجسادهم واحترام أجسادهم.. الجسد في الألعاب الأولمبية قاسم إنسانية، ومساحة حرية، ورمز بشرية البشر الذين جمعتهم الأولمبياد للاحتفال بقوّة أجسادهم وقيمة أجسادهم وروعة أجسادهم رجالا ونساء، إناثا وذكورا، بلا عقد ولا كبت ولا غرائز بهيميّة، ولا سجون نفسيّة ولا عورات عقلية لا ترى في الجسد ــ الجسد الأنثوي بالتحديد ــ غير عورة كبيرة ضخمة، لطخة من العار، كتلة من اللحم المشتهى، علينا بردمه وتغطيته ما أمكن والشكّ فيه ما أمكن وإخفائه قدر المستطاع حتى لا تضيع هويّتنا ولا تذهب حضارتنا ولا تذوب ذاتيتنا، وحتى لا نخسر ــ إذا ما رأينا بعضا من جسد المرأة أو خصلة من شعرها ــ ديننا ولا دنيانا ولا آخرتنا ولا جنّتنا خاصّة التي ستكون مملوءة بالأجساد الجميلة من ذكور وإناث..
الجسد القويّ، الجسد الصحي، الجسد المتالّق في الأولمبياد، الجسد وهو يحاور ذاته ويحاور الآخرين بأرقى رموز الحوار الحضاري حيث الكلّ متساوون أمام فرص النجاح وشروطه، والكلّ منخرط في كرنفال كوني من اللقاء والتعارف والتساوي والإبداع، الجسد في الأولمبياد يقرّ وهو في جبروت جماله وروعته وتميّزه بأنّ الله خلق فأحسن الخلق، وأنّه صوّر فأحسن التصوير، وأنّ الله وهو يحتفي بخلْقه كان أبعد ما يكون عن أن يعتبره عورة أو شهوة أو غريزة حيوانيّة..